أهمية وثائق الأرشيف البريطاني لكتابة تاريخ قطر والخليج العربي

ارتبط تاريخ منطقة الخليج العربي بالحضور البريطاني على مدى قرون، ولم يقتصر هذا الحضور على الجانب السياسي، بل بدأ في جانب مهم منه تجاريًا، ثم اتسعت أبعاده لتشمل النشاط السياسي والعسكري والدبلوماسي. وقد خلّف هذا الوجود رصيدًا ضخمًا من الوثائق والمراسلات والتقارير والخرائط، جعل الأرشيف البريطاني واحدًا من أغنى المصادر الوثائقية لدراسة التاريخ الحديث لمنطقة الخليج العربي.

وفي تسعينيات القرن العشرين، انطلق في قطر مشروع علمي طموح، برعاية مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية، هدف إلى رصد وجمع وترجمة وإتاحة مجموعة كبيرة من الوثائق والخرائط التاريخية القديمة والنادرة المتعلقة بتاريخ قطر ودول الخليج العربي، والمحفوظة ضمن مجموعات سجلات حكومة الهند البريطانية التي آلت لاحقًا إلى مقتنيات المكتبة البريطانية.

في هذه الحلقة من «بودكاست أرشيفولوجي»، يستضيف الأستاذ أحمد عبيد، المتخصص في الأرشيف المصور، الأستاذ محمد همام فكري، مستشار التراث والكتب النادرة بمؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، والمشرف العام على مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية، والمشرف العام على تحرير مجلة «رواق التاريخ والتراث».

يتحدث الأستاذ محمد همام فكري عن تجربته الطويلة مع هذه المجموعة الوثائقية: كيف تكوّنت؟ وما طبيعتها؟ وما الموضوعات التي تناولتها؟ وكيف انتقلت سجلاتها عبر المؤسسات الإدارية البريطانية في الهند، ثم آلت في نهاية المطاف إلى الأرشيف البريطاني؟ وكيف أمكن استعادة جانب مهم من هذا الرصيد المعرفي إلى العالم العربي، من خلال الجمع والتصوير والترجمة والنشر وإتاحته أمام الباحثين؟

ويتوقف الحوار عند نشاط شركة الهند الشرقية البريطانية في الخليج، وإنشائها شبكة من الوكالات والمقيميات والمراكز التي ارتبطت بمصالحها التجارية في المنطقة، ثم تطور أدوار هذه المؤسسات بمرور الزمن لتتجاوز التجارة إلى الشؤون السياسية والعسكرية والدبلوماسية. ومن خلال هذه الشبكة الواسعة تراكمت آلاف المراسلات والتقارير والسجلات التي أصبحت اليوم مادة أساسية لفهم جوانب عديدة من تاريخ قطر والخليج العربي.

ولا تتناول الحلقة الوثيقة باعتبارها شاهدًا نهائيًا على التاريخ فحسب، بل تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الوثيقة في كتابة التاريخ؟

يناقش الأستاذ فكري في هذا السياق مسألة نقد الوثائق، محذرًا من التعامل معها بوصفها حقيقة مطلقة أو رواية محايدة بالضرورة. فالوثيقة كُتبت في زمن محدد، ولغرض محدد، ومن جانب شخص أو مؤسسة لها رؤيتها ومصالحها وظروفها. ومن هنا ينبغي إخضاعها للنقد والمقارنة والتدقيق، وربطها بغيرها من المصادر قبل بناء الأحكام التاريخية عليها.

ومن هذا المنطلق يناقش بعض المقولات الشائعة من قبيل «لا تاريخ بلا وثيقة»، مؤكدًا أن غياب الوثيقة لا يعني بالضرورة غياب الحدث، كما أن وجودها لا يجعل ما ورد فيها حقيقة نهائية غير قابلة للمراجعة. فالوثيقة أداة من أدوات فهم الماضي، إلى جانب الروايات المحلية والمصادر التاريخية والخرائط والصور والشهادات الشفوية وغيرها من الشواهد.

وتتناول الحلقة كذلك تجربة إصدار موسوعة «قطر ودول الخليج العربي في وثائق الأرشيف الهندي»، وهي من أبرز ثمار هذا المشروع؛ إذ عملت على إتاحة مجموعة واسعة من الوثائق المرتبطة بتاريخ المنطقة، وترتيبها في سياق زمني متتابع يتيح للباحث تتبع الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، ومقارنة الوثائق بعضها ببعض.

إنها حلقة عن رحلة الوثيقة بقدر ما هي حلقة عن تاريخ الخليج: من المكاتب والوكالات والمقيميات البريطانية في المنطقة، إلى سجلات حكومة الهند، ومنها إلى المؤسسات الأرشيفية البريطانية، ثم عودة مضمون جانب من هذه الوثائق إلى القارئ العربي مترجمًا ومنظمًا ومتاحًا للبحث والدراسة.

وهي، في الوقت نفسه، شهادة على تجربة امتدت سنوات في البحث عن الوثيقة وجمعها وترجمتها ونشرها، وعلى سؤال يظل حاضرًا أمام كل باحث في التاريخ:

هل تخبرنا الوثيقة بما حدث فعلًا، أم تخبرنا بما أراد كاتبها أن يسجله عما حدث؟

نشر هذا الخبر