جاءت محاضرة "أرشفة الصور الفوتوغرافية التاريخية: المبادئ والتحديات" ضمن فعاليات الموسم الثقافي لمركز حمد بن محمد للدراسات التاريخية، بهدف مقاربة موضوع الصورة الفوتوغرافية بوصفها مصدراً من مصادر الكتابة التاريخية، واستنطاق أبرع الإشكاليات التي تثيرها عملية أرشفتها، وسبل مواجهة هذه التحديات في سياق التحول التكنولوجي المتسارع، لا سيما في زمن الذكاء الاصطناعي.
افتتح الأستاذ أحمد عبيد محاضرته بالتأصيل المفاهيمي للصورة الفوتوغرافية، محدّداً إياها بوصفها وعاءً معرفياً ووثيقة تاريخية موازية للنص المكتوب. وتوقف عند مسار التطور التقني الذي عرفته الصورة منذ انطلاقتها الأولى مع الكاميرات البدائية. كما ناقش المكانة التي تحتلها الصورة في كتابة التاريخ الحديث، متسائلاً عن المضامين والرسائل التي تنقلها، سواء إلى المؤرخين المتخصصين أو إلى الجمهور العريض. وأشار إلى التحول المنهجي في مقاربة الصورة تاريخياً، حيث انتقل الاهتمام من التوظيف السياسي الضيق إلى التاريخ بمعناه الشامل والمتشعب.
واستعرض المحاضر نماذج منتقاة من الصور، تعود إلى أماكن وموضوعات متنوعة، بهدف الكشف عن تعدد مستويات القراءة التي تتيحها الصورة، وتباين زوايا النظر إليها وفق عدسات التخصصات المختلفة؛ من السياسي إلى الاجتماعي، ومن المؤرخ إلى الأنثروبولوجي. وأوضح أن قراءة الصورة تتم وفق مرحلتين متكاملتين: الأولى تقوم على رصد العلامات الطبيعية الظاهرة في الصورة، والثانية هي قراءة تأويلية ثقافية تتوسل بالسياق واللغة والمرجعيات الأيديولوجية، وما تحمله الصورة من شحنات رمزية. كما بيّن أن أرشفة الصورة وقراءتها تخضعان لمنهجية الأسئلة الخمسة: مَن، كيف، لماذا، أين.
وتوقف أحمد عبيد عند السمات التي تميز الصورة عن النص المكتوب، من حيث طبيعتها البصرية، وازدواجية العمومي والخصوصي فيها، وتعدد المعاني وفق ثقافة المشاهد، وتنوع الأوجه والسياقات التي تتلبس بها. وانتقل بعدها إلى مناقشة التحولات التي رافقت تداول الصورة وتحليلها في بيئة السوشيال ميديا والويب، مشيراً إلى أن المعركة المقبلة في حقل دراسات الصورة ستكون معركة "دلالية" (Semantic) بالأساس، ترتبط بتأويل المعنى وتوجيهه.
واختتم المحاضرة بتأمل معمق في إشكالية أرشفة الصور الفوتوغرافية في عصر الذكاء الاصطناعي، محذراً من تأثيراته العميقة في شكل الصورة ومضمونها، وما قد يلحقها من تحوير أو تزييف، الأمر الذي ينعكس حتماً على إمكانية التحليل الموضوعي لها. ذكر الأستاذ أن الحرب القادمة ستكون "سيمانتيكية" (دلالية). في سياق الأرشفة، يعني ذلك أن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تعد فقط تنتج الصور، بل أصبحت قادرة على قراءة الصور التاريخية وتحليلها، بل وإعادة تأويلها وفق منطقها الاحتمالي. هذا يضع المؤرخ وأمين الأرشيف في مأزق: هل تُترك الصورة لتفسير الآلة الذي قد يكون مضللاً؟ وكيف نؤرشف "التأويلات" المولّدة آلياً إلى جانب الصورة الأصلية؟ الأرشفة هنا لم تعد حصراً لما هو ثابت، بل صارت مساحة للصراع على المعنى بين الإنسان والآلة.
وشهدت المحاضرة حضوراً نوعياً من المتخصصين والمشتغلين في حقول التاريخ والأرشفة، أسهموا في توسيع دائرة النقاش وإغنائها بمداخلات ثرية، لتخرج التوصيات محفورة في سياق علمي رصين.